image
استحالة دلالة المعجز على التصديق المرتبط بالواقع على المبنى الأشعري
كتب بواسطة عبدالله رمضان
حرر في 2025-10-09
11:10
العقائد
183

عند الاستدلال بالمعجز لإثبات صدق المُدّعي للنبوّة يقع الكلام في مقامين مختلفين:

المقام الأوَّل: دلالة المعجز على التّصديق المرتبط بالواقع.

المقام الثّاني: مُطابقة التّصديق للواقع.

ولتقريب الفرق بين المقامين، نضرب المثال التالي: عندما يدّعي زيد دعوى ما، ويأتي عمرو فيقول "زيد صادق في دعواه" فإنّ أمامنا سؤالين مختلفين:

السؤال الأول: هل العبارة الصادرة من عمرو تدلّ على تصديقه لزيد؟ هل قالها بقصد إخبارنا أن زيداً صادق في دعواه؟ هذا ما يُبحث في المقام الأوّل (= دلالة القول أو الفعل على التصديق).

السؤال الثاني: بعد أن ثبت أنّ عمراً صدّق زيدا؛ فهل صدّق عمرو الصادق فعلا؟ هذا ما يُبحث في المقام الثاني؛ لأن مجرد دلالة القول أو الفعل على التصديق لا يعني بالضرورة أن التصديق مطابق للواقع وذلك لجواز تصديق الكاذب.

ولا يخفى أنّ المقام الثاني متفرّع عن الأوّل؛ فلا معنى للبحث عن مطابقة التصديق للواقع ما لم نُحرز أولاً أنّ المعجز قد دلّ فعلاً على التّصديق المرتبط بالواقع.

وقد جرت العادة على مناقشة الأشاعرة في المقام الثاني، أي في مطابقة التصديق للواقع، باعتبار إنكارهم للتحسين والتقبيح العقليَّين، فيقال للأشاعرة: ما الدليل على أنّ الله – سبحانه وتعالى – يصدّق الصادق دون الكـــــاذب؟

إلاّ أننا في هذا المقال سنطرح إشكالاً يرتبط بالمقام الأوّل، وهو استحالة الالتزام بِدلالة المعجز على التّصديق المرتبط بالواقع على مبنى الأشاعرة القائلين بأنّ الله -تبارك وتعالى- فاعل لا لغرض[1].         

ويمكن بيان هذا الإشكال بالنّقاط التّاليـــــــة:

١. إنّ دلالة خرق العادة على التصديق من قبيل دلالة الألفاظ على معانيها، وهي ما يُعرف بالدلالة الوضعية[2].

٢. وهذه الدّلالة كما تحصل من الإنسان الذي يتلفّظ بالألفاظ وهو ملتفت إلى معانيها قاصدٌ دلالتها؛ فإنها قد تحصل أيضاً من غير الملتفت لها، كما لو صدرت من حاسوب أو من شخص نائم.
فعلى سبيل المثال، لو سمعت عبارة "زيد في الدار"، فإنك ستفهم المعنى الذي تدل عليه الألفاظ سواء سمعتَ العبارة من إنسان ملتفت إلى المعنى أم من حاسوب لا يعي ما يقول، إذ لا فرق – من حيث أصل دلالة اللفظ – بين الحالتين.

٣. ويكون الفرق: إذا صدرت العبارة من المتلفّظ بها عن التفاتٍ وقصدٍ للدلالة فإنك تفهم منها الإخبار؛ أمّا إذا صدرت من غير الملتفت أو غير القاصد للدلالة -كالنائم أو الحاسوب- فإنك لا تفهم منها الإخبار رغم فهمك لمعناها (=لمدلول الألفاظ).
فلو سمعت من الحاسوب أو النائم قولهما "زيد في الدار" لن تفهم أن هناك فعلاً شخصا اسمه زيد وهو الآن في الدار؛ لأن الإخبار يتوقّف على الالتفات للدلالة مع قصدها، وهذا الالتفات والقصد مفقود في هذه الحالة.
= ولذلك لا يصح إسناد الإخبار إلى الحاسوب أو النائم.

أما الإنسان الواعي المدرك الملتفت لدلالة الألفاظ على معانيها القاصد لهذه الدلالة، فإنك إذا سمعت منه العبارة نفسها، صحّ أن تُسند الإخبار إليه؛ ويمكن التّنبيه على التفاته وقصده بسؤاله.

فإنك لو سألته "لمَ قلتَ زيداً بدلاً من عمرو؟ ولمَ اخترت الدار بدلاً من السيارة؟" لأجابك بأنّ "زيد" يدل على شخص معيّن لا يدل عليه اسم "عمرو"، وأنّ "الدار" تشير إلى مكان مخصوص لا تدل عليه كلمة "السيارة"، وهذا الجواب يكشف عن قصد الدلالة، وهو ما يجعل هذا الإنسان مُخبِراً.

يترتّب على ما سبق: أنّ المعجز قد يدلّ تارة على تصديقٍ غير مرتبط بالواقع وذلك إذا صدر من غير الملتفت إلى دلالته، غير القاصد لها [1]، وتارة أخرى يدلّ على تصديقٍ مرتبط بالواقع إذا صدر من الملتفت إلى دلالته القاصد لها [2].

فعلى [1] لا يُفِيد الإخبار، وعلى [2] يُفِيد الإخبــــــــــار.

٤. المعجز حتى يمكن الاستدلال به على صدق المُدّعي للنبوّة لا بدّ أن يكون مفيدا للإخبار بأنّ هذا المدّعي صادق في دعواه، ولا يكفي في ذلك مجرّد دلالته على التصديق من غير أن تكون هذه الدّلالة مرتبطة بالواقع الخارجي (= بدعوى النبوّة نفسها).
 وهذا -كما تقدم- متوقّف على وجود الالتفات إلى الدّلالة مع قصدها.

٥. ذهب الأشاعرة إلى أنّ الله – سبحانه وتعالى – فاعلٌ لا لغرض[3]، فيترتب عليه، أنّه إذا أجرى المعجز على يد المُدّعي للنبوّة فإنّه لم يُجرِه لغرض التصديق.

وبناءً عليه لا يصحّ إسناد الإخبار بالتصديق إلى الباري – تبارك وتعالى – في فعله هذا، وذلك لما تقدّم بيانه في النقاط السابقة.

قال الشّريف الجرجاني وهو يشرح كلام العضد الإيجي "(وعن الرابع أنا لا نقول بالغرض) أي لا نقول بأن خلق المعجزة لغرض التّصديق؛ لأنّ أفعاله تعالى عندنا غير معللة بالأغراض، ..."[4]

يتحصّل من مجموع ما تقدّم في النقاط الخمس: أنّ دلالة المعجز على تصديق المُدّعي للنبوّة تتوقّف على أن يكون خرق العادة صادراً من فاعلٍ ملتفتٍ إلى دلالتها قاصدٍ لها، بحيث يُسند إليه الإخبار، ويُفهم من فعله أنّه تصديقٌ للمدّعي، أمّا إذا لم يكن الفاعل قاصداً للدلالة، كما هو مقتضى مذهب الأشاعرة في نفي الغرض عن أفعال الله – سبحانه وتعالى – فإنّ المعجز وإن دلّ تصوّريّاً على التصديق إلّا أنّ هذه الدلالة تكون منفصلة عن الواقع، ولا يصحّ الاعتماد عليها في إثبات صدق المدّعي.

وبعبارة أخـــــــرى: القول بأنّ الله – عزّ وجل – لا يفعل لغرض يَسْلُب عن المعجز دلالته الإخباريّة؛ فلا يبقى فرق – من هذه الجهة – بين دلالة المعجز الصادر من الله -تعالى- على التّصديق، وصدور عبارة "أنت صادق" من حاسوب أو نائم؛ ففي الحالتيـــــن لن تكون هناك دلالة مُعتبَرة على صدق المدّعي، لافتقارها إلى عنصر قصد الدِّلالة الذي هو شرط في حصول الإخبار.

فائدة: للفخر الرازي عبارة في نهاية العقول قد يُستفاد منها عدم المانع من الالتزام بأن الله -تبارك وتعالى- عندما أجرى المعجز، أجراه لغرض التّصديق.

قال "قوله: يلزم أن تكون فاعليّة الله لغرض.

قلنا: إن أردتم به أن يكون إيجاد الله للمعجز لأجل دلالته على الصدق فَلِمَ قُلتُم: إن الغرض بهذا التفسير محال؟ وإن أردتم شيئا آخر فاذكروه؛ لنتكلم عليه"[5]

ويُلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الرازي هو عين ما يذهب إليه العدلية في مسألة تعليل أفعال الله -تبارك وتعالى- بالأغراض؛ فما الفرق بين أن نقول "فعل الله المعجز لأجل دلالتها على التصديق" وبين أن نقول "خلق الله الإنسان لأجل نفع الإنسان أو تعريضه للثواب"؟ لِمَ قَبِل الرّازي -كما في نهاية العقول- التّعليل في الأولى ولا يقبله في الثانية؟! ما الفرق بين المسألتين بحيث يجوّز الغرض في فعل دون آخر؟!!

والحق أنه لا فرق بين المقامين، فلا معنى لتجويز الغرض في المعجز ومنعه في غيرها.

 فإمّا أن يسلّم بجواز تعليل أفعال الله بالأغراض = فيخالف في ذلك أصحابه، أو أن يلتزم معهم باستحالة الغرض في أفعال الله -تعالى- فيعود الإشكال المتقدّم عليه.

والحمد لله رب العالمين.

 

-----------------

 


[1] قال الآمدي مقرراً الإشكال "الشبهة الحادية والثلاثون: سلّمنا صحة الاستدلال به ولكن بشرط أن يخلقه الله على يده لقصد التصديق له في دعواه للرسالة، وإنّما يلزم ذلك أن لو كان فعل الله -تعالى- مما يراعى فيه الغرض والمقصود، وهو باطل على ما سبق في التعديل والتجوير" راجع: سيف الدين الآمدي، أبكار الأفكار في أصول الدين، ج4 ص45.

[2] راجع: ما هو المعجز؟ وما وجه دلالته؟

[3] المُراد من الغرض هو ما لأجله فُعِل الفعل.

[4] علي بن محمد الحسيني الجرجاني، شرح المواقف، ج8 ص229.

[5] محمد بن عمر الرازي، نهاية العقول في دراية الأصول، ج3 ص507.