قبل الجواب عن هذا السؤال ينبغي أولا تحرير مصطلح "أصول الدين" وتعيين المراد منه؛ فإنّ هذا المصطلح ليس مصطلحا شرعيا كمصطلح "الإيمان" "والكفر" "والإسلام" "والصلاة" "والحج" ونحوها من المصطلحات التي أسّسها الشارع ورتّب عليها الآثار، وإنما هو اصطلاح يتفاوت معناه بحسب الاستعمال والغرض منه، وبشكل عام كلمة "أصول الدين" تحتمل المعاني التالية:
المحتمل الأول: أصل الدين هو ما كان من مسائل الاعتقاد.
المحتمل الثاني: أصل الدين هو ما كان شرطا للإيمان، بحيث من انتفى عن هذا الأصل لم يكن مؤمنا
المحتمل الثالث: أصل الدين هو ما كان شرطا للإسلام، بحيث من انتفى عنه هذا الأصل لم يكن مسلما
المحتمل الرابع: أصل الدين هو ما كان شرطا للنجاة يوم الآخر، بحيث من انتفى عنه هذا الأصل لم ينجُ في الآخرة
المحتمل الخامس: أصل الدين هو ما لا يصحّ التقليد فيه
فعندما يقول الإمامية: الإمامة من أصول الدين، فهم يريدون بذلك أنها: (1) مسألة اعتقادية (2) شرط للإيمان (3) شرط للنجاة يوم الآخرة (4) لا يصحّ التقليد فيها؛ أما أنها شرط للإسلام (المحتمل الثالث)= فالمعروف بين علماء الإمامية أنها ليست شرطا للإسلام.
تنبيه: معنى أن الإمامة شرط للإيمان ومعنى أنها شرط للنجاة يوم الآخرة متلازمان، لأن ما كان شرطا للنجاة يوم الآخرة فلا بدّ أن يكون شرطا للإيمان، لأن المؤمن موعود بالنجاة في الآخرة بخلاف المسلم الذي لم يدخل الإيمان في قلبه فهو ليس موعودا بالنجاة في الآخرة؛ ونتيجة لذلك: إذا ثبت أن الإمامة شرط في النجاة يوم الآخرة تكون بتبع ذلك شرطا في الإيمان ولا يصحّ التقليد فيها، وبذلك تصبح مسألة الإمامة من المسائل الجدّية التي ينبغي على المكلّف النظر فيها وتحديد الموقف منها وعدم التهاون بها، وهذا هو معنى كونها من أصول الدين.
والأدلة على ذلك متعددة وسنكتفي ببيان إحداها وهو "الميتة الجاهلية بترك الإمامة":
جاء في عدة أخبار أن من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية، وهذه الأخبار واضحة الدلالة على أن الإمامة من أصول الدين، وهذا الحديث ثابت عند الإمامية وعند أهل السنة والزيدية والإسماعيلية والإباضية بألفاظ متعددة.
أما عند أهل السنة فقد من ورد من طريق اثني عشر صاحبيا وهم: علي بن أبي طالب -عليه السلام- وحذيفة بن اليمان وأبو ذر الغفاري وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل والحارث الأشعري وعامر بن ربيعة ومعاوية بن أبي سفيان وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن العباس.
ونذكر طرفا من تلك الأخبار:
روى مسلم "حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا عاصم -وهو ابن محمد بن زيد- عن زيد بن محمد عن نافع، قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحَرَّة ما كان زمنَ يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثا، سمعت رسول الله –ص- يقوله، سمعت رسول الله –ص- يقول: من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"
روى أحمد "حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن معاوية، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية"
إسناده حسن، عاصم بن أبي النجود الكوفي "ثقة يهم، فهو حسن الحديث"
والتعابير التي اشتملت عليها الأخبار عند أهل السنة متنوّعة، فجاء "ليس عليه إمام" و"ليس لإمام جماعة عليه طاعة" و"بغير إمام" و"ليس في عنقه بيعة" و"ليس عليه بيعة" و"فارق الجماعة" و"خرج عن الطاعة".
والظاهر أنها تشير إلى معنيين:
المعنى الأول: عدم الدخول تحت بيعة إمام.
المعنى الثاني: الخروج عن البيعة ونكثها.
أما التعابير التي حُكِمَ بها على ما في الأخبار متنوّعة، فجاء "مات ميتة جاهلية" و"فارق الإسلام" و"خلع ربقة الإسلام من عنقه" و"لقي الله لا حجة له" و"كان على ضلال".
والظاهر أنها تشير جميعا إلى معنى واحد، وهو الخروج عن الإسلام أو ما هو بمثابة الخروج عن الإسلام!
فمعنى الميتة الجاهيلة هو ما يُقابل الميتة الإسلامية والموت على الفطرة؛ [1] فإن الجاهلية هي ما يُقابل الإسلام، فقد جاءت المقابلة بينهما في النصوص، فمن ذلك ما رواه البخاري بسنده إلى ابن عباس "أن النبي –صلى الله عليه وسلم-، قال: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سُنَّةَ الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" ، وما رواه بسنده إلى أبي هريرة "سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ، والأخبار في ذلك كثيرة.
[2] وملاحظة التعابير الأخرى في الأخبار تدل على ذلك، فتعبير "فارق الإسلام" أو "خلع ربقة الإسلام من عنقه" يدل على أن الميتة الجاهلية هي ميتة الكفر المقابلة للميتة على الإسلام.
وعليه فجميع ألفاظ الحديث تدل على خروج المخالف للحديث عن الإسلام أو ما هو بمثابة ذلك في الحكم ولكن لمّا كان المعلوم من الخارج أن الشهادتين كافيتان للإدخال في الإسلام وأنه لا خروج عن الإسلام إلا بنقضهما = كان اللازم حمل الخبر على معنى آخر مناسب للتعبير بالميتة الجاهلية ونحو ذلك من التعابير والقدر المتيقّن من المعنى المناسب للموت على الكفر هو أن الخارج عن بيعة الإمام كالكافر يوم القيامة في انتفاء النجاة عنه، فالخارج عن البيعة ليس بكافر ولكنّه في حكم الكافر، والحكم الذي من شأنه الثبوت للكافر مع بقاء الإسلام الظاهري هو الخسران في الآخرة.
فتحصّل من ذلك: أن الخبر ظاهر في كون الالتزام بفرض الإمامة شرطا في الإسلام (= المعنى الثالث لأصول الدين)، ولكن قامت القرينة القطعية على رفع اليد عن هذا المعنى، فيتعيّن حمل الخبر على المعنى القريب المناسب لهذا المعنى، وهو كون الالتزام بفرض الإمامة شرطا في النجاة يوم القيامة (= المعنى الرابع لأصول الدين)، وذلك مستلزم لكون الالتزام بفرض الإمامة شرطا في الإيمان (= المعنى الثاني لأصول الدين)، ولا تبعد دلالة الخبر على عدم جواز التقليد (= المعنى الخامس لأصول الدين) في تعيين الإمام؛ فإن ترتب الأثر الخطير على هذا الأمر لا يناسب تجويز التقليد المتضمّن لتسويغ الاختلاف، خصوصا مع ملاحظة أن تسويغ الاختلاف في الإمامة موجب للتنازع والفوضى وتفويت المصلحة من نصب الإمام.
والحمدلله وحده