قبل الإجابة لا بد من بيان أمرين:
الأول: معنى المعاد الجسماني:
قال العلامة المجلسي – رحمه الله – " ... وأما تعلقه بالبدن المؤلف من أجزائه الأصلية بعينها مع تشكلها بشكل مثل الشكل السابق فهو الذي نعنيه بالحشر الجسماني ... " [1]
الثاني: معنى فناء الأجسام:
قال العلامة الحلي – رحمه الله - " ... وإنما قلنا بأنه ممكن لأن المراد من الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة وذلك جائز بالضرورة " [2] .
و قال السيد حسن اللواساني " ... فإنه ليس المراد منه ما توهمه من انعدام جميع ما في الكون الحاضر بموادها وحقائقها الأصلية، بل المراد منه في إطلاقات الشرع المقدس إنما هو تفرق الأجزاء العنصرية، وتبدل صورها اللحمية والعظمية وأمثالهما بالصور الترابية والحجرية وأشباههما، مع بقاء المادة الحقيقية المتحدة في جميع تلك الصور المتبادلة، وسريانها على وحدتها وبساطتها الواقعية في جميع تلك الهيئات المختلفة " .[3]
وأما فيما يتعلق بخطورة المسألة:
فقد قال العلامة المجلسي – رحمه الله – " اعلم أن القول بالمعاد الجسماني مما اتفق عليه جميع المليين، وهو من ضروريات الدين، ومنكره خارج عن عداد المسلمين، والآيات الكريمة في ذلك ناصة لا يعقل تأويلها، والأخبار فيه متواترة لا يمكن ردها ولا الطعن فيها، وقد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسكا بامتناع إعادة المعدوم، ولم يقيموا دليلا عليه، بل تمسكوا تارة بادعاء البداهة، وأخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة واليقين وترك تقليد الملحدين من المتفلسفين" [4]
وقال العلامة الحلي – رحمه الله – " اتفق المسلمون على إعادة الأجساد خلافاً للفلاسفة " [5]
وقد تعددت الآراء في المسألة، قال صدر الدين الشيرازي" اتّفق المحققون من الفلاسفة والملّيين على أحقّية المعاد، وثبوت النشأة الباقية، لكنهم اختلفوا في كيفيته، فذهب جمهور الإسلاميين وعامة الفقهاء وأصحاب الحديث إلى أنه جسماني فقط، بناء على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد، والزيت في الزيتونة، وذهب جمهور الفلاسفة وأتباع المشّائين إلى أنّه روحاني أي عقلي فقط، لأنّ البدن ينعدم بصوره وأعراضه لقطع تعلق النفس بها، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى، إذ المعدوم لا يعاد، والنفس جوهر باق لا سبيل للفناء إليه، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلقات بالموت الطبيعي.
وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وجماعة من المتكلمين كالغزالي والكعبي والحليمي والراغب الأصفهاني وكثير من أصحابنا الإمامية كالشيخ المفيد، وأبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والمحقق الطوسى، والعلامة الحلّي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى القول بالمعادين، ذهاباً إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن " [6]
الدليل على المعاد الجسماني:
لقد ذكر المعاد الجسماني في القرآن الكريم بوجه لا يقبل التأويل، لذا تجد العلامة المجلسي – رحمه الله – يرى أن منكره خارج عن الإسلام، قال تعالى " وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " [7]
وقال – عز اسمه – " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "[8]
ووجه الاستدلال بهاتين الآيتين ذكر شهادة الجلود والألسنة والأيدي والأرجل، فإنه لا معنى لشهادة هذه الأعضاء إن كانت غير حاضرة في عالم الدنيا، ولم تشهد وقوع المعصية من المكلف.
وقال – جل شأنه – "أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ" [9]
وقال – سبحانه – " مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ " [10]
وقال – عز وجل – " وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ " [11]
وهذه الآيات صريحة في جمع العظام، ووقوع الإنكار في الآية الأخيرة على جمع العظام يدل على أن ذلك ما أراد النبي – ص- إثباته، وكذا قوله تعالى " أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ " ، فإن (لن) تفيد النفي المستقبلي، وهذا الاستفهام ينكر على من يظن أن جمع العظام لن يقع في المستقبل، وهذا رد قاطع لمن فهمَ من هذه الآيات الإشارة إلى الإمكان لا الوقوع، على أن الإمكان لا يوافق بعض مباني الفلاسفة أيضا، وأما الآية التي ذكرت الأمعاء فنستفيد منها المشابهة بين البدن الدنيوي والأخروي، وليس كما يُقال بأن عالم الآخرة عالم المجردات، وأن البدن في الآخرة بدن تنشئه النفس يختلف عن البدن الدنيوي.
ثم إن الآيات والروايات الكثيرة التي ذكرت تفاصيل المعاد كلها ظاهرة في كون البدن هو البدن الدنيوي نفسه، ولا توجد أي إشارة للمغايرة أو التجرد، ولا ريب في أن ذلك لا يبقي احتمالا عند المخاطب في الآيات والروايات بأن المعاد يكون ببدن مغاير، مما يجعل المعاد الجسماني مقصودا في الكلام، خصوصا مع وجود المُشكلين، وعليه فإن كان المعاد روحانيا للزم نسبة الكذب للشارع والعياذ بالله.
وعليه، فأي قول مغاير للمعنى السابق فهو مخالف للقرآن الكريم وإن عبر عنه بأنه معاد جسماني.
فإن من الفلاسفة من تبنى القول بالمعاد الجسماني، لكن لا بالمعنى الذي دل عليه الشرع، وقد شيدوا أصولا تفضي – حسب دعواهم – إلى الحفاظ على وحدة البدن في الدنيا والآخرة، ويشهد على مخالفة قولهم للمعنى المذكور ما قاله الشيخ محمد تقي الآملي في تعليقته على المنظومة، حيث قال " ( أقول ) هذا غاية ما يمكن ان يقال في هذه الطريقة، ولكن الإنصاف أنه عين انحصار المعاد في الروحاني لكن بعبارة أخفى، فإنه بعد فرض كون شيئية الشيء بصورته، وأن صورة ذات النفس هو نفسه، وأن المادة الدنيوية لمكان عدم مدخليتها في قوام الشيء لا يحشر، وأن المحشور هو النفس، غاية الأمر إما مع إنشائها لبدن مثالي قائم بها قياما صدوريا مجردا عن المادة ولوازمها إلا المقدار كما في نفوس المتوسطين من أصحاب الشمال أو أصحاب اليمين وإما بدون ذلك أيضا كما في المقربين . ( ولعمري ) إن هذا غير مطابق مع ما نطق عليه الشرع المقدس على صادعه السلام والتحية .
وأنا أشهد الله وملائكته وأنبياءه ورسله أني أعتقد في هذه الساعة وهي ساعة الثلاث من يوم الأحد الرابع عشر من شهر شعبان المعظم سنة 1368 في أمر المعاد الجسماني بما نطق به القرآن الكريم واعتقد به محمد صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين وعليه أطبقت الأمة الإسلامية و لا أنكر من قدرة الله شيئا." [12]
----------
[1] المجلسي – بحار الأنوار ج 7، ص 49
[2] العلامة الحلي - كشف المراد ص 380
[3] السيد حسن اللواساني - نور الأفهام ج 2 ص 219
[4] المجلسي – بحار الأنوار ج 7، ص 47
[5] العلامة الحلي – شرح الياقوت ص 191
[6] صدر الدين الشيرازي – الأسفار ج 9،ص 165
[7] فصلت 21
[8] النور 24
[9] القيامة 3 - 4
[10] محمد 15
[11] يس 78 - 79
[12] الشيخ محمد تقي الآملي - درر الفوائد ج2 ص460، وراجع أيضا: هادي السبزواري – شرح المنظومة ص 875 – 900 والسيد الخميني – المعاد في نظر الإمام الخميني ص 283 – 320