قبل أن نبدأ بالإجابة نمهّد لها بأمرين:
الأول: ما المقصود بالمجرد؟
قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون: ((التجرد: في اللغة الخلوّ، وعند الحكماء عبارة عن كون الشيء بحيث لا يكون مادة ولا مقارنا للمادة مقارنة الصورة والأعراض))[1].
وذكر السيد الخميني في أثناء استدلاله على عدم تطرق العدم والفساد للمجردات ما ملخصه: ((إن الموجود الطبيعي تتقوم موجوديته بالمادة والزمان والمكان ونحوها، وتتقوم صورة المادة بها كذلك، وإفاضة الصورة على المادة مشروطة بها أيضا، فانعدامها يؤدي إلى انعدام الصورة الذي يؤدي إلى تطرق الفساد والزوال إلى عالم الطبيعة، أما المجردات فلا سبيل لهذه الأمور عليها، فلا يتطرق لها الفساد))[2].
الثاني: إن الملائكة ليست مما يُدرك بالحواس، فحقيقتها من الغيب الذي لا سبيل لمعرفة حقيقته عن طريق الحواس بل ولا عن طريق العقل أيضًا، فلا سبيل لنا إلا ما ورد في نصوص الشرع.
وبعد، فإننا إذا ما رجعنا إلى النصوص الشرعية نجدها ظاهرة بل صريحة في كون الملائكة أجساما لها امتداد وأجزاء وحركة، ومن تلك النصوص الآيات التالية:
قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"[البقرة: 34].
فالسجود هيئة خاصة مما يدل على الجسمية والحركة، والسجود لآدم -عليه السلام- يستلزم الكون في جهة، فيدل على الكون في مكان.
قال تعالى: "وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ"[الأنفال: 50].
والضرب يدل على الحركة، ويدل على الجسمية والتجزؤ ظاهرا، فالضرب بالجزء عادة لا بالكل.
قال تعالى: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ"[الرعد: 23].
وقال تعالى: "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا"[الفرقان: 25].
وقال تعالى: "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"[المعارج: 4].
ودلالة الآيات الثلاث السابقة على الحركة ظاهرة.
قال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "[فاطر: 1].
فللملائكة أجنحة، وهذا مستلزم للجسمية والتجزؤ بلا شك، وتدل على الحركة أيضا لتعين الغرض من الأجنحة بها.
قال تعالى: "يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا "[النبأ 38].
والوقوف صفا مستلزم للجسمية والحركة كما هو واضح.
فتبيّن أنه لا يمكن الجمع بين القول بتجرد الملائكة والقرآن الكريم، وغير هذه الآيات الجم الغفير من روايات أهل البيت -ع -، فلا مجال بعد هذا لتوهم كون الملائكة من المجردات.
ويحسن نقل كلام للعلامة المجلسي في المقام، يقول: "اعلم أنه اجتمعت الإمامية بل جميع المسلمين إلا من شذ منهم من المتفلسفين الذين أدخلوا أنفسهم بين المسلمين لتخريب أصولهم، وتضييع عقائدهم، على وجود الملائكة وأنهم أجسام لطيفة نورانية أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع وأكثر، قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة، وأنه سبحانه يورد عليهم بقدرته ما شاء من الأشكال والصور على حسب الحكم والمصالح، ولهم حركات صعودا وهبوطا، وكانوا يراهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، والقول بتجردهم وتأويلهم بالعقول والنفوس الفلكية والقوى والطبائع، وتأويل الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة، تعويلا على شبهات واهية واستبعادات وهمية زيغ عن سبيل الهدى واتباع لأهل الهوى والعمى"[3].
وقال السيد الخوئي: "دعوى أن الملك من عالم المجردات فليس له مادة كما اشتهر في ألسنة الفلاسفة دعوى جزافية؛ فإنه مع الخدشة في أدلة القول بعالم المجردات ما سوى الله – كما حقق في محله – أنه مخالف لظاهر الشرع، ومن هنا حكم المجلسي قدس سره في اعتقاداته بكفر من أنكر جسمية الملك"[4].
وممن قال بتجرد الملائكة الفلاسفة صدر الدين الشيرازي قال: "وأما العلم بملائكته فهو العلم بوجود صور روحانية مقدسة عن المواد مجردة عن الأجساد مدركة لذاتها ولما عداها"[5].
وقال: "وهي العقول المجردة بلسان الحكمة والأنوار القاهرة بلغة الإشراق والسرادقات النورية بعرف الصوفية، وقد يطلق الملائكة على غيرها أيضا كالمدبرات العلوية والسفلية من النفوس والطبائع"[6] .
وقال ابن سينا: "ويجب أن تعلم أن الوجود إذا ابتدأ من عند الأول، لم يزل كل تال منه أدون مرتبة من الأول، ولا يزال ينحط درجات: فأول ذلك، درجة الملائكة الروحانية المجردة التي تسمى عقولا. ثم مراتب الملائكة الروحانية، التي تسمى نفوسا، وهي الملائكة العملية. ثم مراتب الأجرام السماوية، وبعضها أشرف من بعض، إلى أن تبلغ آخرها. ثم من بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصور الكائنة الفاسدة، فتلبس أول شيء صور العناصر."[7]
----------
[1] التهانوي – كشاف اصطلاحات الفنون – ج1 ص 382.
[2] المعاد في نظر الإمام الخميني ص81-82
[3] بحار الأنوار-العلامة المجلسي- ج56 ص203
[4] مصباح الفقاهة 1/ 229
[5] صدر الدين الشيرازي – الرسائل ص 377
[6] صدر الدين الشيرازي – الهداية الأثيرية ص 410
[7] ابن سينا – النجاة ص 698 - 699