image
ما الدليل على عدم وقوع معارضة للقرآن الكريم؟

قبل الشروع في إثبات عدم وقوع المعارضة للقرآن الكريم وكونه معجزاً لا بد من بيان مقدمة في قاعدة (لو كان لبان).

ومفاد القاعدة أنّه إذا توفرت شروط معينة نستطيع أن ننفيَ حصولَ حدث معيّن بعدم نقله، أي أنّ عدم الوجدان يكون دليلاً على عدم الوجود.

وذلك إنما يكون إذا توفر الشروط الآتية:

1.     أن يكون الحدث خطيراً.

2.     أن يكون الحدث واضحاً ومنتشراً.

3.     أن لا توجد موانع من نقل الحدث.

4.     أن لا يُنقل الحدث.

ومثاله: نفي حصول حرب عالمية ثالثة؛ إذ لو كانت لبانت؛ لأنّها حادثة خطيرة واضحة للعلن لا يوجد مانع من نقلها ولم تُنقل.

 

إذا اتضحت هذه المقدمة نشرع في بيان الدليل في خمس نقاط:

النقطة الأولى: أنّ النبي -صلى الله عليه وآله- ادعى النبوة

وهذه من القطعيات التاريخية.

 

النقطة الثانية: أنّ النبي -صلى الله عليه وآله- تحدّى ببلاغة القرآن الكريم

وهنا أمران:

الأمر الأول: أنّ النبي -صلى الله عليه وآله- تحدّى بالقرآن الكريم

من المعلوم بالضرورة أنّ النبي -صلى الله عليه وآله- احتج بالقرآن الكريم على نبوته، وادعى أنّ الله سبحانه وتعالى خصّه به وأيّده به، وليس التحدي إلا هذا؛ لأنّ الإتيان بمثل القرآن حينئذ سيكون إبطالاً لاختصاص النبي -صلى الله على وآله- بالقرآن الكريم.

قال السيد المرتضى: "المعتمد في تحدّيه -صلّى اللّه عليه وآله- بالقرآن: حصول العلم لكلّ عاقل سمع الأخبار وخالط أهلها بذلك، على حدّ حصوله بظهوره -عليه وآله السّلام- بمكّة، وادّعائه النّبوّة، ودعائه الناس إلى نفسه، إلى أمثال ما ذكرناه من أحواله الظّاهرة المعلومة.

ولا فرق بين من أنكر بعضها وأظهر الشّكّ فيه وبين من أنكر جميعها؛ لأنّ طريق العلم بالكلّ للعقلاء متّفق غير مختلف.

والواجب أن نعلم مرادنا بذكر التّحدّي الّذي ندّعي وقوع العلم به على هذا الوجه ولكلّ أحد؛ فإنّ كثيرا ممّن نفى العلم به وأظهر الشكّ فيه يقدّر أنّا نريد بالتحدي [معنى] مخصوصا، ولفظا يتضمّن التبكيت والتعجيز والمطالبة بفعل مثل القرآن مسموعا، وليس مرادنا ذلك.

والّذي نريده ونحيل على العقلاء في العلم به وارتفاع الشّكّ فيه = ما هو معلوم من قصده والظّاهر من حاله أنّه -عليه وآله السّلام- كان يحتجّ بالقرآن ويدّعي من جهته الإبانة والمزيّة، وأنّ اللّه تعالى خصّه به وأيّده بإنزاله، وينتظر نزول الوحي به، وهبوط جبرئيل -عليه السّلام- بالشيء منه بعد الشيء، وهذا ممّا لا يمكن أحدا دفعه، ومن دفعه قام مقام الدافع لسائر ما عددنا"[1].

والذي يدل أيضاً على ذلك: الآيات القرآنية الدالة على التحدّي، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٢٣ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23-24]

وإثبات التحدي بالقرآن لا يتوقف على إثبات نبوة النبي -صلى الله عليه وآله- ليلزم الدور، وإنما يتوقف على صحة صدور هذه الآيات عن النبي ص، وهذا ثابت بالتواتر.

قال السيد المرتضى: "ومما اعتُمد في العلم بالتّحدّي: أنّ القرآن قد صحّ نقله بالتّواتر الّذي صحّ به أمثاله، وآيات التّحدّي المتضمّنة للتّوبيخ والتّعجيز في صحّته من جملته، وقد كان القوم يسمعونها حالا بعد حال، وفيها من التّحريك والإزعاج ما هو معلوم، وهذه الآيات نزلت بمكّة، والعلم بنزولها هناك مستفاد بالنّقل الّذي به علم نزولها في الجملة، فليس لأحد أن يشكّك في تقدّم نزولها ويقول: لعلّها ممّا نزل في آخر الأمر!

على أنّه لو ثبت تأخير نزولها لكان ما قصده من إثبات التحدّي بالقرآن حاصلا على كلّ حال، ولا فرق بين تقدّمه وتأخّره في الدّلالة إذا علمنا أنّ المعارضة لو كانت ممكنة لوجب وقوعها"[2].

الأمر الثاني: أنّ التحدي كان ببلاغة القرآن مع النظم المخصوص

والذي يدل على ذلك أمور، منها:

1.     أنّ هذه هي هذه الخصوصية السارية في تمام القرآن الكريم، أما الخصوصيات الأخرى كالإخبار الغيبي -مثلاً- ليست في جميع القرآن الكريم، والتحدي كان بتمام القرآن.

2.     أنّ المناسب في التحدي هو التحدي بما يتميّز به المتحدَّى، ومن المعلوم أنّ الأمر الذي تميّزت به العرب هو البلاغة.

3.     أنّ المتعارف في التحدي بالكلام عند العرب هو التحدي بتميّز بلاغته ونظمه، ولما لم يُخصَّص التحدي بالقرآن الكريم بوجه معيَّن = انصرف إلى الوجه المتعارف عند العرب.

4.     الارتكاز الشرعي عند المسلمين جيلاً بعد جيل أنّ خصوصية القرآن الكريم هي البلاغة، وهو معلوم من خلال متابعة كتب علم الكلام والتفسير جيلاً بعد جيلاً، ومن خلال اهتمام المسلمين بعلم البلاغة اهتماماً شديداً.

 

النقطة الثالثة: أنّ معارضة القرآن الكريم لم تقع

لأنّها لو كانت لبانت. ويتضح ذلك بإثبات توفر شروط القاعدة.

أما الشرط الأول -وهو خطورة وأهمية الحادثة-: فلأنّ المعارضة تُعتبر الحجة البالغة في إبطال نبوة النبي محمد ص-صلى الله عليه وآله-، فوقوع المعارضة من الأمور الخطيرة والمهمة.

أما الشرط الثاني -وهو وضوح الحادثة وعدم خفائها-: فلأنّ المعارضة لا يتحقّق الهدف منها -وهو إبطال نبوة النبي ص-صلى الله عليه وآله-- إلا بانتشارها بين الناس، فوقوع المعارضة يقتضي كونَها واضحة غير خفية.

أما الشرط الثالث -وهو ارتفاع الموانع من النقل-: فلأنّ المعارضة لو حصلت لكانت هي الحجة والدليل ولكان القرآن الكريم هو الشبهة، ولا يُعقل عدم وجود مانع من نقل الشبهة مع وجود مانع من نقل الدليل والحجة.

ويؤيده: أنّ مجال المعارضة كان مفتوحاً لمدة طويلة، فإنّ أمر النبي -صلى الله عليه وآله- لم يستقر في الجزيرة العربية إلا بعد فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، بالإضافة إلى أنّ معارضي النبي -صلى الله عليه وآله- لم يُستصلوا جميعاً، فيوجد المنافقون والنصاري واليهود، ودولة فارس والروم، وغيرهم.

أما الشرط الرابع -وهو عدم نقل المعارضة-: فمن الواضحات بأدنى اطّلاع.

وأما ما يُنقل عن مثل مسيلمة فبطلان صلاحيته للمعارضة أظهر من أن تخفى.

قال السيد المرتضى: "إنّ القرآن لو عورض لوجب نقل المعارضة والعلم بها؛ لأنّ ظهورها في الأصل واجب، والحاجة إلى نقلها ماسّة، والدّواعي متوفّرة، والعهد قريب.

وإنّما يجيز وقوع الشّيء وإن لم ينقل اختلال هذه الشّروط الّتي ذكرناها فيه أو بعضها، فأمّا إذا تكاملت فلا بدّ من النّقل، ولهذا قال المتكلّمون: إنّ معارضة القرآن لو وقعت لجرت في النّقل مجرى القرآن، بل زادت عليه؛ لأنّ جميع ما يقتضي نقل القرآن -من توفّر الدّواعي، وشدّة الحاجة، وقرب العهد- حاصل في المعارضة، وهي تزيد عليه من حيث لو وقعت لكانت هي الحجّة في الحقيقة، وكان القرآن قائما مقام الشّبهة ونقل الحجّة، وما به تزول الشّبهة أولى في الدّين، والدّواعي إليه أقوى.

وإذا صحّت هذه الجملة ولم نجد نقلا في المعارضة وجب القطع على انتفائها وكذب مدّعيها"[3].

وقال السيد الخوئي: "وقد يدّعي جاهلٌ من غير المسلمين: أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان.

وجواب ذلك: أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها، وشهّرتها في مواسمها وأسواقها. ولأخذ منه أعداء الإسلام نشيداً يوقِعونه في كل مجلس، وذكراً يردّدونه في كل مناسبة، وللقَّنه السلفُ للخلف، وتحفّظوا عليه تحفّظ المدعي على حجته، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف وأشعار الجاهلية التي ملأت كتبَ التاريخ وجوامعَ الأدب، مع أنّا لا نرى أثراً لهذه المعارضة، ولا نسمع لها بذكر"[4].

النتيجة: فبما أنّ معارضة القرآن الكريم من الأحداث الخطيرة التي تقتضي الظهور والانتشار ولا يوجد مانع من نشرها فإنّ عدم نقلها يكون دليلاً على عدم حصولها.

 

النقطة الرابعة: أنّ معارضة القرآن الكريم لم تقع لتعذّرها لا للإعراض عنها

وإثبات ذلك يكون ببيان شواهد تدل على وجود الدواعي القوية إلى معارضة القرآن الكريم بحيث لا يُعقل الإعراض عن المعارضة مع وجود هذه الدواعي، فيكون عدم المعارضة بسبب التعذّر لا بسبب الإعراض.

والذي يدل على قوة الدواعي أمور:

1.     أنّ معارضة القرآن الكريم هي الحجة البالغة في إبطال نبوة النبي -صلى الله عليه وآله-.

2.     اشتمال الدعوة الإسلامية على تحقير عقائد المشركين.

3.     اشتمال الدعوة الإسلامية على تكاليف شاقة تُلغي رئاستهم وسلطتَهم وتضيّق سعة تصرّف المشركين بأموالهم وتمنعهم من الاستمتاع بكثير من شهواتهم.

4.     أنّهم بذلو الأنفس والأموال وقطعوا الأرحام في معاداة النبي -صلى الله عليه وآله-.

فإذا كانت الدواعي للمعارضة قوية جداً، يكون عدم وقوع المعارضة دليلاً على تعذّرها.

قال السيد المرتضى: "وإذا صحّت هذه الجملة[5]، ووجدنا العرب الّذين تحدّوا بالقرآن لم يعارضوه مع توفّر دواعيهم إلى المعارضة وكثرة بواعثهم عليها، ومع أنّهم [لما] لم يعارضوا عدلوا إلى أمور يشقّ فعلها ويثقل تحمّلها، كالحرب وما في معناها ممّا لا يصلون به وإن تناهوا فيه إلى غرضهم على الحقيقة = وجب القطع على تعذّر المعارضة، وصار عدولهم إلى الأمر الشّاقّ المتعب الّذي لا يوصل إلى المراد مع تركهم السّهل الذي لا كلفة [فيه] وهو موصل إلى المراد موردا لدلالة التعذّر، موضحا لطريقها.

وإن كان انصرافهم عن المعارضة مع توفّر الدّواعي كافيا في العلم بتعذّرها لو لم يتجشّموا مع الانصراف عنها فعلا شاقّا، وجرى ذلك مجرى من له غرض يصل إليه بفعل لا كلفة عليه فيه ولا مشقّة فعدل عنه إلى تكلّف ما يشقّ ويتعب ولا يوصل إلى الغرض المطلوب، مع ارتفاع الشّبهة عنه في الأمرين، ولا شكّ في أنّ من هذه حاله يجب القطع على أنّ ما به يصل إلى غرضه متعذّر عليه"[6].

قال السيد الخوئي: "ونحن نرى النصارى وأعداء الإسلام يبذلون الأموال الطائلة في الحطّ من كرامة هذا الدين والنيل من نبيه الأعظم وكتابه المقدس، ويتكرر هذا العمل منهم في كل عام بل في كل شهر، فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن ولو بمقدار سورة منه = لكان هذا أعظم لهم في الحجة، وأقرب لحصول الأمنية، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الأموال وإتعاب النفوس"[7].

 

النقطة الخامسة: أنّ تعذّر المعارضة كان مخالفاً للعادة (= معجِزاً)

وذلك لأنّ العرب هم أهل الاختصاص في البلاغة، فتعذّرهم عن معارضة القرآن الكريم يكشف إما عن أنّ بلاغة القرآن قد بلغت مبلغاً على خلاف المعتاد، أو أنّ الله سبحانه صرفهم عن المعارضة، وعلى كل تقدير يثبت خرق العادة (المعجِز).

قال عبد القاهر: "معلوم أنّ سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأنّ للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضاً، وأنّ علم ذلك علم يخص أهله، وأنّ الأصل والقدوة فيه للعرب، ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم، وأنّه لا يجوز أن يُدّعى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي نزل فيه الوحي وكان فيه التحدي أنّهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا له.

كيف ونحن نراهم يجهلون عنهم أنفسهم، ويبرؤون مِن دعوى المداناة معهم، فضلاً عن الزيادة عليهم. هذا خالد بن صفوان يقول: كيف نجاريهم وإنما نحكيهم، أم كيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم؟

ونرى الجاحظ يدّعي للعرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة، ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفه أحلامهم في إنكارهم ذلك، ويقضي عليهم بالشقوة وبالتهالك في العصبية، ويطيل ويطنب ...

والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى، أو أن ينكره إلا جاهل أو معاند"[8].

 

النتيجة

ثبت أنّ النبي -صلى الله عليه وآله- ادعى النبوة، وأنّه -صلى الله عليه وآله- تحدّى بالقرآن الكريم، وأنّ معارضة القرآن الكريم لم تقع لأنّها لو كانت لبانت، وأنّ عدم المعارضة كان للتعذّر لا للإعراض؛ وذلك لقوة الدواعي، وأنّ تعذّر المعارضة على المشركين خارق للعادة.

فثبت أنّ عدم المعارضة معجز، فتثبت نبوة النبي محمد -صلى الله عليه وآله-.

والحمد لله رب العالمين.

 

----------

 

[1] علي بن الحسين الموسوي، الموضح عن جهة إعجاز القرآن (مؤلفات الشريف المرتضى ج6)، ص335-336.

[2] علي بن الحسين الموسوي، الموضح عن جهة إعجاز القرآن (مؤلفات الشريف المرتضى ج6)، ص341-342.

[3] علي بن الحسين الموسوي، الموضح عن جهة إعجاز القرآن (مؤلفات الشريف المرتضى ج6)، ص347-348. ولاحظ تفصيل كلامه في ص348-354.

[4] أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص44.

[5] أنّ عدم وقوع الفعل من الفاعل مع توفر دواعيه إليه دليل على تعذر الفعل عليه.

[6] علي بن الحسين الموسوي، الموضح عن جهة إعجاز القرآن (مؤلفات الشريف المرتضى ج6)، ص366.

[7] أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص44.

[8] عبد القاهر الجرجاني، الرسالة الشافية (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، ص117-118.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا