من معاجز النبي -صلى الله عليه وآله- المرتبطة بخرق قوانين الطبيعة معجزة شق القمر.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعجزة، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ١ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ٢ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾[1]
والذي يدل على أنّ الآيات تتحدث عن معجزة انشقاق القمر لا عن حادثة مرتبطة بعلامات الساعة أمران:
الأمر الأول: صيغة الماضي ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الظاهرة في وقوع الانشقاق.
قال الشيخ الطوسي: "ومن أنكر انشقاق القمر وأنه كان، وحَمَل الآية على كونه في ما بعد -كالحسن البصري وغيره، واختاره البلخي- = فقد ترك ظاهر القرآن؛ لأن قوله "انْشَقَّ" يفيد الماضي، وحمله على الاستقبال مجاز"[2].
الأمر الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ بعد ذكر انشقاق القمر يدل على أنّ الانشقاق كان من الآيات التي أعرض المشركون عنها ووصفوها بالسحر، وصيغة الشرط تدل على أنّ هذا الإعراض والوصف بالسحر كان من ديدنهم وعادتهم، وهذا يناسب ارتباط الآية بمعجزات النبي ص.
قال الطاهر ابن عاشور: ""وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِر" يجوز أن يكون تذييلا للإخبار بانشقاق القمر فيكون المراد بـ"آيَةً" في قوله: "وَإِنْ يَرَوْا آيَةً" القمر، فقد جاء في بعض الآثار: أن المشركين لما رأوا انشقاق القمر قالوا: "هذا سحر محمد بن أبي كبشة"، وفي رواية قالوا: "قد سحر محمد القمر"، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم.
وعلى كلا الوجهين فإن وقوع "آيَةً" -وهو نكرة- في سياق الشرط يفيد العموم، وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم.
وضمير "يَرَوْا" عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام، وهم المشركون، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذ معروفة أصحابه، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم"[3].
ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ على ارتباط الحادثة بعلامات الساعة؛ لارتباط ظهور النبي ص باقتراب الساعة. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾[4].
فإذا اتضح ارتباط الآية الكريمة بحادثة انشقاق القمر، يمكن إثبات وقوع الحادثة بالبيان التالي:
1. قد ثبت تواتر القرآن الكريم.
2. القرآن الكريم نقل حادثة انشقاق القمر.
3. لو لم تحصل حادثة انشقاق القمر في الواقع لاعتُرض على القرآن الكريم في نقله للحادثة.
4. لم يُنقل اعتراض على القرآن الكريم في نقله للحادثة.
5. عدم النقل دليل على عدم وقوع اعتراض؛ لأنّه لو كان لبان.
وأما أنّ أركان قاعدة لو كان لبان متحقّقة فواضح؛ إذ أنّ الاعتراض حدثٌ خطير يؤدي إلى تكذيب نبوة النبي -صلى الله عليه وآله-، ومن شأن الاعتراض أن ينتشر، ولا توجد موانع للنشر، ولم يُنشر.
وهذا كافٍ في إثبات الحادثة، إلا أنه يمكن تأييد ذلك أيضاً بالروايات التي أشارت إلى وقوع الحادثة، فقد رُويت الحادثة عند عامة المسلمين عن جماعة، منهم: حذيفة بن اليمان[5]، وعبد الله بن مسعود[6]، وعبد الله بن عباس[7]، وعبد الله بن عمر[8]، وأنس بن مالك[9]، وجُبَيْر بن مُطْعِم[10].
ورُويت عن طريق أهل البيت -عليهم السلام-، فقد رُويت عن أمير المؤمنين -عليه السلام-[11]، والإمام الصادق -عليه السلام-،[12] والسفير الثالث الحسين بن روح[13].
ولا يبعد أنّه اُستغني بنقل القرآن الكريم للحادثة عن نقلها بصورة أكبر، مع أنّه -والحال هذه- عُدّ الحديث من المتواترات.
قال ابن حجر "فإن حنين الجذع وانشقاق القمر نُقِل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك"[14].
أما إشكال أنّ الحادثة لو حصلت لبانت في أمكنة متعددة فيُجاب عليه بما قاله الشيخ الطوسي في التبيان حيث قال "ومن طعن في انشقاق القمر بأنه لو كان لم يخفَ على أهل الأمصار فقد أبعد؛ لأنه يجوز أن يحجبَه اللَّه عنهم بغيم، ولأنّه كان ليلاً فيجوز أن يكونَ الناس كانوا نياماً فلم يعلموا به؛ لأنّه لم يستمر لزمان طويل بل رجع فالتأم في الحال، فالمعجزة تمت بذلك"[15].
----------
[1] القمر: 1-3.
[2] محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9 ص443.
[3] محمد طاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج27 ص166-167.
[4] محمد: 18.
[5] لاحظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، ح5285؛ نعيم بن حماد، الفتن، ح1684؛ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ح5205 و34798؛ ابن أبي الدنيا، الزهد، ح219؛ محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج22 ص107-108؛ الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين؛ ح8800.
[6] رُوي عن ابن مسعود بطرق متعددة:
[1] طريق أبي معمر، لاحظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، التفسير، ح3059؛ نعيم بن حماد، الفتن، ح1683 و1686؛ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي، المسند، ح225؛ أحمد بن حنبل، المسند، ح3583 و4270 و4360؛ محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح، ح3636 و3869 و3871 و4864؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري، المسند الصحيح المختصر، ح2800؛ أبو عيسى الترمذي، السنن، 3285 و3287؛ أبو بكر البزار، المسند، ج5 ص202-203؛ أحمد بن شعيب النسائي، السنن الكبرى، ح11488 و11489؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح698 و699 و702 و703؛ أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، المسند؛ ح754-757.
[2] طريق الأسود بن يزيد، لاحظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، التفسير، ح3058؛ أبو داود الطيالسي، المسند، ح278؛ أحمد بن حنبل، المسند، ح3924؛ أبو بكر البزار، المسند، ج4 345 وج5 ص62؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح701.
[3] طريق علقمة، لاحظ: سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ح9996 وح10009.
[4] طريق مسروق بن الأجدع، لاحظ: أبو داود الطيالسي، المسند، ح293؛ محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح، ح3869؛ أبو بكر البزار، المسند، ج5 ص344؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح697؛ أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، المسند، ح404.
وقد وقد تميّزت رواية مسروق عنه بزيادة مهمة؛ فقد روى الشاشي في مسنده ح404 "حدثنا علي بن عبد العزيز، نا إبراهيم بن عبد الله الهروي، نا هشيم، أنا مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله، قال: انشق القمر ونحن بمكة، فقال كفار قريش من أهل مكة: هذا سحر سحرنا به ابن أبي كبشة، فانظروا إلى السفار يأتونكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم وإلا فقد كذبتم، قال: فما جاءهم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا".
[5] طريق الكلبي، لاحظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، التفسير؛ ح3056.
[7] رُوي عن ابن عباس بطرق متعددة:
[1] طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود، لاحظ: محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح، ح3638 و3870 و4866؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري، المسند الصحيح المختصر، ح2803؛ سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ح10734؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح704 و705.
[2] طريق علي بن أبي طلحة، لاحظ: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج22 ص109-110؛ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، المطالب العالية بزائد المسانيد الثمانية، ح3736.
[3] طريق عكرمة مولى ابن عباس، لاحظ: سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، ح8315؛ المعجم الكبير، ح11642 و11643.
[4] طريق عطاء، لاحظ: أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، ح209.
[5] طريق الضحاك بن مزاحم، لاحظ: أبو نعيم الأصبهاني، دلائي النبوة، ح209 و210.
[8] لاحظ: أبو داود الطيالسي، المسند، ح2003؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري، المسند الصحيح المختصر، ح2801؛ أبو عيسى الترمذي، السنن، ح2182 و3288؛ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد ابن الأعرابي، المعجم، ح1818؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح700؛ علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ح6496؛ سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ح13473؛ أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، ح208.
[9] لاحظ: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، التفسير، ح3057؛ أبو داود الطيالسي، المسند، ح2072؛ أحمد بن حنبل، المسند، ح12688 و13154 و13303 و13918 و13919 و13958؛ عبد بن حميد الكسي، المنتخب من مسند عبد بن حميد، ح1184؛ محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع المسند الصحيح، ح3637 و3868 و4867 و4868؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري، المسند الصحيح المختصر، ح2802؛ أبو عيسى الترمذي، السنن، ح3286؛ أحمد بن شعيب النسائي، السنن الكبرى، ح11490؛ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ح708؛ سليمان بن أحمد الطبراني، مسند الشاميين، ح2581.
[10] لاحظ: أحمد بن حنبل، المسند، ح16750؛ أبو عيسى الترمذي، السنن، ح3289؛ أبو بكر البزار، المسند، ج8 ص357-358؛ علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ح6497؛ سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ح1559-1561.
[11] محمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، م12 ح37.
[12] تفسير القمي، ج2 ص340.
[13] محمد بن علي ابن بابويه القمي، علل الشرائع، ج1 ص241 ب177 ح1.
[14] أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج6 ص592.
[15] محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج9 ص443.