image
ما هو مقتضى حكم العقل في الغاية من الخلق؟

يمكن بيان ذلك في نقاط:

النقطة الأولى: يحصر العقل غرض الخلق في أمور: فإما أن يكون لجلب نفع للخالق، أو لدفع ضرر عنه، أو لكونه حسنا في نفسه، أو لكونه ترك قبيح، أو لغير ذلك.

والأول والثاني باطلان؛ لما ثبت من غنى الله -تعالى-.

والرابع عبث قبيح لا يصدر منه -تعالى-؛ لما ثبت من حكمته.

والثالث غير متصور لأن العقل لا يحكم بقبح ترك خلق العالم.

فتعيّن الثاني وهو كونه حسنا.

النقطة الثانية: إن العقل لا يحكم بحسن الابتداء بإيجاد شيء إلا إذا كان ذلك لأجل نفع ذلك الشيء، فالذي يحكم العقل بُحسن الابتداء به هو الإحسان والتفضل، ومرجع ذلك إلى النفع.

النقطة الثالثة: النفع الحسن على نحوين: فإما أن يقع بالإنعام المباشر من دون استحقاق للثواب، أو بإيجاد فرصة للمخلوق ليستحق الثواب باختياره.

النقطة الرابعة: ينسجم النحو الثاني من النفع الحسن على الابتلاء بالصعوبات ليتحقق بذلك اختبار للعباد بحيث يمكنهم من خلال التزامهم بالموقف الصحيح من استحقاق الثواب، ولا ينسجم النحو الأول مع ذلك؛ لأن الابتلاءات تتنافى مع النفع في الجملة، ولا أقل من كونها لغوا لا تتناسب مع النحو الأول.

النقطة الخامسة: يحكم العقل بثبوت النحو الثاني في حق البشر؛ وذلك لما هو المعلوم من ابتلائهم بالصعوبات والمنغّصات، ولما هو المعلوم من التفات الإنسان إلى الحسن والقبيح ولما ينبغي فعله وما لا ينبغي؛ فإنه بالالتفات إلى ذلك لا يمكن أن يكون الغرض من خلق الإنسان مجرد النفع؛ فإن هذه الأمور لا تنسجم مع هذا الغرض، ولا أقل من كونها لغوا، فيتعيّن ثبوت النحو الثاني من النفع.

فثبت بهذا أن الغرض من خلق البشر هو تعريضهم للثواب بمعنى إيجاد فرصة لهم لنيل الثواب باختيارهم.

وقريب من هذا ما ذكره العلامة الحلي -رحمه الله-، قال "إذا عرفت هذا فنقول التكليف حسن؛ لأن الله -تعالى- فعله، والله تعالى لا يفعل القبيح، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه، وهي التعريض لمنافع عظيمة لا تحصل بدون التكليف؛ لأن التكليف لم يكن لغرض كان عبثا، وهو محال، وإن كان لغرض فإن كان عائدا إليه تعالى لزم المحال، وإن كان إلى غيره فإن كان إلى غير المكلف كان قبيحا، وإن كان إلى المكلف فإن كان حصوله ممكنا بدون التكليف لزم العبث، وإن لم يمكن فإن كان النفع انتقض بتكليف من علم كفره، وإن كان التعريض فهو المطلوب، إذا عرفت هذا فنقول: الغرض من التكليف هو التعريض لمنفعة عظيمة؛ لأنه تعريض للثواب، والثواب منافع عظيمة خالصة دائمة واصلة مع التعظيم والمدح، ولا شك أن التعظيم إنما يحسن للمستحق له، ولهذا يقبح منا تعظيم الأطفال والأراذل كتعظيم العلماء، وإنما يستحق التعظيم بواسطة الأفعال الحسنة، وهي الطاعات.

ومعنى قولنا "إن التكليف تعريض للثواب" أن المكلف جعل المكلف على الصفات التي يمكنه الوصول إلى الثواب وبعثه على ما به يصل إليه وعلم أنه سيوصله إليه إذا فعل ما كلفه".

وبهذا يتم المطلوب، وهذا هو المطابق لما تقرر في الشرع على ما ذُكِرَ في جواب سؤال آخر.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا