يمكن أن يجاب على السؤال من أكثر من جهة:
الجواب الأول: هو فعل المعصوم
الإمام الحسين -عليه السلام- إمام معصوم ولا يقدم على فعل خاطئ مطلقا، وحينئذ فأي فعل يصدر منه -عليه السلام- فهو صحيح، ومنه أخذه النساء والأطفال معه إلى كربلاء، وهذا الجواب يرفع إشكال الخطأ في فعله، نعم، هو لا يجيب عن علة الفعل وغايته.
ومن المعلوم أن الإمام إنما يفعل ذلك الفعل لغرض وحكمة؛ حاشا أن يفعل ما يفعل سفها، إلا أن هذه العلة قد تُعلم وقد لا تُعلم، ولا يضر عدم العلم بها في عصمة الإمام -عليه السلام-، وأما طريق العلم بهذه الحكمة فإما القرآن أو الروايات أو تجميع الشواهد المورثة لليقين، وما يذكر من أسباب من غير تلك الطرق فإنها تبقى في دائرة الاحتمال، وكلما قوي الدليل قوي الاحتمال، ولا يصح نسبتها إلى الإمام إلا بدليل شرعي.
روى الكليني -رحمه الله- بسند صحيح "محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله -عليه السلام-، في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة -عليهم السلام- وصفاتهم: إن الله -عز وجل- أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمة محمد -صلى الله عليه وآله- واجبَ حقِّ إمامِه وَجَدَ طعم حلاوة إيمانه، وعَلِمَ فضلَ طلاوة إسلامه؛ لأن الله -تبارك وتعالى- نصب الإمام عَلَماً لخلقِه وجَعَلَهُ حجةً على أهل موادِّه وعالمه، وألبسه الله تاج الوقار، وغشاه من نور الجبار، يمد بسبب إلى السماء، لا ينقطع عنه موادُّه، ولا ينال ما عند الله إلا بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلا بمعرفته، فهو عالم بما يَرِدُ عليه من مُلْتَبِسات الدجى، ومعمِّيات السُّنَن، ومشبهات الفتن، فلم يزل الله -تبارك وتعالى- يختارهم لخلقه من ولد الحسين -عليه السلام- من عقب كل إمام يصطفيهم لذلك، ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه، ويرتضيهم، كلما مضى منهم إمام نَصَبَ لخلقه من عقبه إماما عَلَما بيّنا وهادِيا نَيِّرا وإماما قيّما وحجة عالما، أئمة من الله، يهدون بالحق، وبه يعدلون، حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد، جعلهم الله حياة للأنام ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام ودعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها.
فالإمام هو المنتجب المرتضى والهادي المنتجى والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك، واصطنعه على عينه في الذر حين ذرأه وفي البرية حين برأه ظلا قبل خلق نسمة عن يمين عرشه مَحْبُوّا بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقيةٌ من آدم -عليه السلام-، وخِيَرَةٌ من ذرية نوح، ومصطفىً من آل إبراهيم، وسلالةٌ من إسماعيل، وصفوة من عترة محمد -صلى الله عليه وآله-، لم يزل مرعيا بعين الله، يحفظه ويكلؤه بستره، مطرودا عنه حبائل إبليس وجنوده، مدفوعا عنه وقوبُ الغواسق ونفوثُ كل فاسق، مصروفا عنه قوارفُ السوء، مبرأً من العاهات، محجوبا عن الآفات، معصوما من الزلات، مصونا عن الفواحش كلها، معروفا بالحلم والبر في يفاعه، منسوبا إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مُسْنَدا إليه أمر والده، صامتا عن المنطق في حياته.
..."[1]
الجواب الثاني: مشيئة الله -تعالى-
يفهم هذا مما روي عن الإمام الحسين -عليه السلام- حينما أراد الخروج من مكة، روى السيد ابن طاوس في خبر "... فبلغ ذلك ابن الحنفية، فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟ فقال: أتاني رسول الله -صلى الله عليه وآله- بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين، اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا، فقال له ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك، وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ قال فقال له: قد قال لي: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، وسلم عليه ومضى."[2]
مقتضى هذه الرواية أن مشيئة الله تعلقت بأن يرى نساء الحسين سبايا، فأخذ الحسين -عليه السلام- للنساء والأطفال امتثال لهذه المشيئة الإلهية.
نعم، يقع السؤال: لم أراد الله أن يراهن سبايا؟ فنرجع إلى الجواب الأول، فنقول: إن مشيئة الله إن تعلقت بشيء فهي لا تتعلق به إلا لحكمة، وقد تُعلم الحكمة وقد لا تعلم، وإثبات الحكمة يحتاج إلى دليل معتبر كما ذكرنا.
الجواب الثالث: الجواب التحليلي
يمكن ذكر بعض الأمور العقلائية التي تبرر أخذ الحسين -عليه السلام- للنساء والأطفال، وهي أمور محتملة لا يمكن الجزم بها، إلا أنها قد تكون من العوامل المؤثرة في اتخاذ هذا القرار:
الأمر الأول: ظاهر حال أمر الحسين -عليه السلام- حين خروجه من مكة أنه كان يقصد الكوفة تلبية لبيعة أهل الكوفة له، ولم يخرج محاربا، فمن المناسب إذا كان سيذهب إلى هناك ويبقى ويحكم -مثلا- أن يأخذ العائلة معه لا أن يبقيهم في المدينة، كما صنع أبوه أمير المؤمنين في أخذ العائلة إلى الكوفة حينما غير مركز الخلافة، مع ملاحظة أن هذا البقاء قد يطول وقد يصعب التواصل معهم وإيصالهم لاحقا.
الأمر الثاني: لما كان الحسين -عليه السلام- صاحب هدف ومشروع مواجه للنظام الحاكم = كان من المحتمل أن يضغط يزيد عليه بإيذاء أهله حتى يضطر الحسين -عليه السلام- إلى التراجع عن موقفه.
وهذا له نظير في يوم عاشوراء، روي أن الحسين -عليه السلام- لما انشغل بقتال الأعداء "حالوا بينه وبين رحله، فصاح -عليه السلام-: ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون...، فناداه شمر -لعنه الله- ما تقول يا ابن فاطمة؟ فقال: إني أقول أقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حيا"[3].
الأمر الثالث: كان لوجود عائلة الحسين أثر كبير في إيصال رسالة كربلاء التي هي حفظ الإسلام، خصوصا بعد استشهاد الحسين -عليه السلام-، سواء أكان على نحو الصعيد الرسالي الإعلامي كما هو واضح من خطب عائلة الحسين -عليه السلام- ومواقفها وصبرها في الكوفة والشام، فإن مصيبة الحسين كانت ستخفى على شريحة كبيرة من الناس لولا ما صنعته مولاتنا زينب وعائلة الحسين -عليه السلام- كالسيدة أم كلثوم والسيدة فاطمة بنت الحسين -عليه السلام- وغيرهن، أم كان بسبب عِظم المصيبة التي جرت على عائلته من ظلم وسبي وتنكيل، وهذا يزيد من وقع مصيبة كربلاء في النفوس ويزيد من فضيحة الأعداء وبيان واقع حالهم.
ولو توقف حفظ الإسلام على التضحية بالأهل والأسرة فلا شك أن هذا أرجح من إبقائهم آمنين في بيوتهم، وإنا نجد قبل هذا كيف ضحت مولاتنا فاطمة الزهراء -عليها السلام- -وهي المرأة المصونة المخدرة- لأجل حفظ الإسلام وحفظ الإمامة، وإن أدى ذلك إلى شهادتها -سلام الله عليها-.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.
مبين اللواتي
[1] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج1 ص503 ح528
[2] علي بن موسى ابن طاوس الحسني، اللهوف على قتلى الطفوف، ٦٤.
وروى قطعة منه الحسن بن سليمان الحلي في المجموعة الحديثية ص٣٤٩.
[3] علي بن موسى ابن طاوس الحسني، اللهوف على قتلى الطفوف، ١٢٠.